أحمد ياسوف
61
دراسات فنيه في القرآن الكريم
هو للنظم ، يقول الدكتور محمد زغلول سلام : « ضياء الدين لم يتأثر بالقول بالنظم والتأليف عن طريق عبد القاهر ولا الخطّابي ، بل عن طريق الجاحظ والرماني » « 1 » . ومثل هذا صحيح إلا في مساواة الخطابي بعبد القاهر ، لأن الأول قد عني بدقة باختيار القرآن لمفرداته في مواضع كثيرة من رسالته على ضآلة حجمها ، مشيرا إلى الفروق والإيحاءات وتفرّد الدلالات بمدلولات خاصة ، وهذا ما سنجد أمثاله في الفصل الرابع ، في حين لا يعتني الجرجاني بهذا ، بل يصرّح بخطل هذا المنهج تصريحا . وقد عجب الدكتور سلام من شمول نظرة ابن الأثير التي ترى المفردة والنظم كلا متكاملا ، وذلك عندما رآه ينتقل من باب جمال المفردة إلى باب جمال التركيب ، إذ قال : « ومنه يتضح أن ضياء الدين لا يأخذ بالرأي القائل بفصاحة المفردة دون النظم ، وهو مع ذلك لا يردّه ، ويبدو من قوله هنا وفي مواضع أخرى ، أنه متردد مضطرب بين رأي ابن سنان ورأي عبد القاهر الجرجاني » « 2 » . لكننا نرى ابن الأثير عادلا متوازنا في منهجه ، وليس مترددا ، إنما هو تكامل يدل على رحابة صدر وعمق نظر ، فإذا أخذنا برأي الدكتور سلام فقد سلّمنا بتردّد من كان على منوال ابن الأثير كالزمخشري والسيوطي وغيرهما ، بيد أنهم كانوا منصفين ، وإذا كانت نسبة إصرارهم وتأكيدهم على النظم أكبر من عنايتهم بالمفردة ، فإن المادة الأدبية تحتم هذا ، ثم إن الوسائل متوافرة في دراسة النظم ، لأن النحو يحيط بهم من كل جانب أكثر مما يعرفون عن فن نغم المفردات وأكثر من علم النفس الأدبي الذي يقدم الإيحاءات جلية .
--> ( 1 ) ضياء الدين بن الأثير ، د . محمد زغلول سلام ، ص 38 . ( 2 ) ضياء الدين بن الأثير ، د . سلام ، ص 81 .